أحمد بن يحيى العمري
72
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
غصنه ؛ يستمد منه ودادا طالما تركه ، ويستميل فؤادا كان يظنّ أنه قد ملكه ؛ وإذا بحوادث الأيام قد غيرت ما عهد ، وحسنت له بذل ما كان يضنّ به فلم يفد : أما بعد : فقد وردت رقعتك فلم تند على كبدي ، ولم تحظ بناظري ويدي ؛ وخطبت من مودتي ما لم أجدك له أهلا ، وقلت : هذا الذي تاه بحسن قده ، وزها بورد خدّه ، فالآن إذ نسخ الدّهر آية حسنه ، وأقام مائل غصنه ، وانتصر لنا منه شعرات كسفت هلاله ، وأكسفت باله ، ومسحت جماله ، وغيرت حاله ؛ فمهلا مهلا ؛ وتناسيت أيامك إذ تكلّمنا نزرا ، وتلحظنا شزرا : [ الطويل ] ومن لك بالعين التي كنت مرة * إليك بها في سالف الدهر أنظر أيام كنت تتلفت والأكباد تتفتت ، وتقبل فتمني وتعرض فتضني « 1 » : [ الطويل ] وتبسم عن ألمى كأنّ منوّرا * تخلّل حرّ الرّمل دعص له ندي فأقصر الآن فإنه سوق كسد ، ومتاع فسد ، ودولة أعرضت ، وأيام انقضت ، ويوم صار أمس ، وحسرة بقيت في النفس ، فحتام تدلّ وإلام ؟ ولم تحتمل وعلام ؟ وقد بلغني ما أنت متعاطيه من تمويه يجوز بعد العشاء في الغسق ، وينفق على السّوق ؛ وإفناؤك لتلك الشعرات جزا وحصا ، ونتفا وقصا ؛ فأنا برحلك وجانبك ، وحبلك ملقى على غاربك ، ولو أحببت أن أوجعك لقلت : [ من مخلّع البسيط ] ما يفعل الله باليهود * ولا بعاد ولا ثمود ولا بفرعون إذ عصاه * ما يفعل الشعر بالخدود ومنه قوله « 2 » : كتابي إلى البحر وإن لم أره ، فقد سمعت خبره ، والليث وإن لم ألقه فقد
--> ( 1 ) البيت لطرفة بن العبد ، في ديوانه 9 . ( 2 ) رسائل البديع 358 - 360 ويتيمة الدهر 4 / 275 وجمهرة الإسلام 212 أ .